وأشار إلى أن المشكلة لا تبدأ مع الإغلاق الذي فُرض في أكتوبر 2023، بل تعود إلى سنوات طويلة امتدت على مدى عقود، لم يتم خلالها تطوير منظومة ثابتة ولائقة لتنظيم تشغيل أعداد كبيرة من العمال الفلسطينيين في إسرائيل.
وأوضح قليبو، الذي شغل منصب ممثل منظمة العمل الدولية في الأراضي الفلسطينية لما يقارب عقدين من الزمن، وكان قبل ذلك مديراً في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، أن قضية العمال عولجت في كثير من الأحيان من قبل الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني باعتبارها ترتيبات عملية تلبي احتياجات اقتصادية متبادلة، دون العمل الجاد على ترسيخ منظومة قانونية واضحة تضمن حقوق العمال واستقرار مستقبلهم. وغالباً ما كانت القرارات المتعلقة بهذا الملف تتأثر بالاعتبارات السياسية، الأمر الذي جعل العمال يدفعون الثمن.
وأشار إلى أن سوق العمل الفلسطيني يعتمد بدرجة كبيرة على الاقتصاد الإسرائيلي. فقبل الحرب كان يعمل حوالي 200 ألف عامل من الضفة الغربية في إسرائيل، إضافة إلى نحو 20 ألف عامل من قطاع غزة، وهو ما خلق شعوراً باستقرار نسبي لدى عشرات آلاف الأسر الفلسطينية. غير أن انهيار هذا الترتيب بعد الإغلاق الكامل منذ السابع من أكتوبر 2023 أدى إلى أضرار اقتصادية واجتماعية ونفسية عميقة، تمس بصورة مباشرة أو غير مباشرة حياة أكثر من مليون شخص يعتمدون على دخل هؤلاء العمال.

كما أكد قليبو أن المسؤولية عن تعقيد هذا الملف لا تقع على طرف واحد فقط. فسياسات الاحتلال، بما تفرضه من قيود وإغلاقات وعدم استقرار قانوني، تتحمل جزءاً كبيراً من المشكلة، إذ تحدّ بشكل كبير من قدرة الاقتصاد الفلسطيني على التطور وخلق فرص عمل كافية. وفي المقابل، فإن الطرف الفلسطيني ممثلاً بشركاء الإنتاج الثلاثيين – الحكومة، وممثلي العمال، وممثلي أصحاب العمل – لم ينجح أيضاً خلال السنوات الماضية في تطوير إطار منظم ومستدام للحوار الاجتماعي يعالج قضايا العمل بصورة منهجية. وقد ساهم الانقسام السياسي الفلسطيني وغياب الحوار الاجتماعي المؤسسي في إضعاف القدرة على صياغة سياسات عمل واضحة ومستقرة.
ودعا قليبو إلى بلورة ترتيبات قانونية ومؤسسية واضحة بين الحكومة الإسرائيلية والسلطة الفلسطينية تسمح بالتنظيم التدريجي لعودة العمال إلى أماكن عملهم في إسرائيل، وذلك بالاستناد إلى القانون وبالتعاون مع منظمة العمل الدولية، من خلال إنشاء آلية مؤسسية مشتركة أو إطار قانوني مخصص يتولى تنظيم التصاريح والرقابة وضمان الحماية من الاستغلال.
كما تطرّق قليبو إلى التطورات الأخيرة المتعلقة بمحاولات استقدام عمال أجانب، ولا سيما من الدول الآسيوية، كبديل عن العمال الفلسطينيين. وأشار إلى أن مثل هذا التوجه قد تكون له تداعيات بعيدة المدى على جانبي الاقتصاد، الإسرائيلي والفلسطيني، ليس فقط من الناحية الاقتصادية بل أيضاً من حيث الأبعاد الاجتماعية والنفسية المرتبطة بعقود طويلة من الاعتماد المتبادل في سوق العمل بين الطرفين. وحذّر من أن استبدال العمال الفلسطينيين بشكل واسع قد يخلق اختلالات جديدة في سوق العمل ويعمّق الأزمات الاجتماعية والاقتصادية القائمة.
كما نبّه إلى المخاطر المتزايدة التي يتعرض لها بعض العمال الفلسطينيين الذين يعملون حالياً في المستوطنات في ظل الظروف الأمنية الراهنة، حيث يواجهون في كثير من الأحيان أوضاعاً صعبة تتعلق بغياب الحماية القانونية الكافية، وضعف الرقابة على شروط العمل، فضلاً عن المخاطر الإنسانية والأمنية المرتبطة بالوضع القائم.
وأكد أن قضية العمل، رغم أبعادها السياسية الواضحة، تتطلب أيضاً معالجة مهنية وإنسانية تضمن شروط عمل لائقة وحماية قانونية للعمال.
كما أعرب عن أسفه لأن الجهود الدولية، بما فيها التقارير السنوية التي تصدرها منظمة العمل الدولية حول أوضاع العمال الفلسطينيين، لم تنجح حتى الآن في تحقيق تحسن ملموس في واقعهم، في وقت يعيش فيه العمال اليوم واحدة من أصعب المراحل نتيجة الحرب والاعتبارات السياسية المختلفة.
وأضاف أن غالبية العمال يسعون قبل كل شيء إلى العمل الكريم وتأمين رزق عائلاتهم بكرامة، لا إلى المواجهة، وهو ما تؤكده أيضاً المعطيات التي عُرضت خلال الندوة.
كما حذّر قليبو من خطر نشوء شبكات وساطة واستغلال غير قانونية على جانبي الحدود تستفيد من حالة الفوضى القائمة، مؤكداً أن تنظيم تشغيل العمال بشكل قانوني وشفاف من شأنه أن يخدم في نهاية المطاف مصلحة العمال، ويساهم كذلك في تلبية الاحتياجات الاقتصادية والأمنية المختلفة.





